الجزء الثاني: الصياغة وقواعد اللغة
رغم أن الصياغة الخبرية لم تعد مقيدة بالقوالب القديمة، بل فتحت أمامها أبواب التطوير والتجديد، لكن ثمة قواعد أساسية في الصياغة لا يجب التغاضي عنها بل لا بد من الالتزام بها لأنها تشكل الهيكل الأساسي للعملية التحريرية. والأمر نفسه يتعلق بقواعد اللغة العربية، فبقدر ما سمح باستخدام بعض الأخطاء الشائعة، لا يسمح بالإخلال بقواعد اللغة الأساسية التي لا تقبل التغيير أو التجاهل. وفي ما يلي أهم قواعد الصياغة وأهم قواعد اللغة

1- كانت المدرسة القديمة، التي نقلتها الصحافة العربية عن الغرب، تشترط توافر العناصر الخبرية الستة التي تجيب على الأسئلة الضمنية التالية: "ماذا، ومتى، وأين، ومن، ولماذا، وكيف" (Five Ws &H ) والمطلوب أن تتجمع في مقدمة الخبر كل الإجابات الأساسية عن هذه الأسئلة، وفي ما بعد يبدأ سرد التفاصيل أولا بأول. هذا الأسلوب تغير تماما الآن وأصبحت المقدمة مساحة متاحة للمحرر يضمنها ما يرى فيه أهم عناصر الخبر لكي يختار منه العنوان المناسب الذي يجذب القارئ دون أي قيود على اختياره. فمحرر الخبر قد يجد في المكان أو في الزمان أو في الفعل الأهمية الأكبر..المهم أن يختار لمقدمته أهم عنصر في الخبر ثم يبني عليه في الفقرات التالية. ويتمثل ذلك في النموذج التالي :
أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز كذا وكذا.
ثم تأتي الفقرة التالية كالتالي:
وأضاف الملك فهد، في حديث ادلى به لـ"إيلاف" التي استقبل رئيس تحريرها أمس في قصر السلام، كذا وكذا
هنا جاء الزمان والمكان في الفقرة التالية لأن ماقاله الملك كان أهم ما في الخبر.
2- الحشو من آفات اللغة الصحافية، وبلغ في الفترة الأخيرة مرحلة خطيرة، وخاصة بسبب تأثير القنوات الفضائية العربية التي تدخل كل بيت وتميل إلى السرعة والترجمة غير الدقيقة. ومن هذه القنوات بدأت تتفشى ظواهر لغوية خطيرة تهدد أسس اللغة العربية. إذا أصبح هناك إفراط في استخدام كلمات وعبارات جديدة على اللغة الصحافية مثل "هذا وقد" أو عبارات مبتورة لا علاقة لها باللغة العربية السليمة مثل أن تبدأ جملة بـ "إلى ذلك" وذلك اختصارا لعبارة "إضافة إلى ذلك". وهناك أيضا الإفراط في استخدام "قد" بينما المفروض ألا تستخدم إلا في حالة واحدة هو أن تلي كان فيقال كان الرئيس قد زار وهذا هو الاستثناء الوحيد المسموح فيه باستخدام قد.
3- ومن المعيب جدا الإفراط في استخدام كلمة "قام"، التي باتت تستعمل في كل مكان ولتغطية أي عجز لغوي. فمثلا أصبح يقال "قام بالأكل" و"قام بالكلام" و"قام بالقتل"… إلى درجة القول "قام بالقيام من مكانه"، مع أنه من الأسهل استخدام الفعل المجرد كالقول "أكل" و"نام" و"تكلم" و"قتل" ولكن الواضح أن السبب هو التهرب من بذل جهد في تصريف الفعل. ويستخدم البعض عبارات مثل "أقام فلان مظاهرة" و"أقام حاجزا" و"أقام حفلا" و"أقام منحة" و"أقام بيتا"، مع أنه من الأسهل والأفضل والأفصح استعمال أفعال أنسب لذلك مثل "نظم مظاهرة" و"نصب حاجزا" و"استضاف حفلا" و"أنشأ منحة" و"شيد بيتا".
4- كما أصبح من الملاحظ الإفراط في استخدام كلمة "تم"، ومعناها الحرفي "اكتمل"، إذ اعتاد البعض استخدامها أصلا لتلافي التشكيل في حالة المجهول. فبدلا من كتابة "اعتمد" استخدمت عبارة "تم اعتماد". ولكن هذا الاستعمال بدعة لا وجود لها في الأدب العربي ولا في قواعد اللغة والبلاغة. ويأتي استخدام "تم" في بعض الأحيان معيبا ومغالطا للمضمون، إذ يقال مثلا "تمت محاولة الاغتيال" أو "تمت المفاوضات الفاشلة". فكيف "تتم" المحاولة إذا كانت مجرد محاولة، أو كيف "تتم" المفاوضات إذا فشلت؟ ولذلك يفضل استخدام كلمة "جرى" التي قد تعني استمرار مفعول الفعل، لكنها على الأقل، لا تعني إكماله أو اكتماله.
5- ومن أخطر أمثلة الحشو الإفراط في اللجوء إلى كلمات أسهمت فيها الترجمة الحرفية من اللغات الأجنبية. ككلمتي "عدم" و"غير" وهما مقتبستان من dis أو un أو .im/in فبدلا من كلمة "مجحف" أو "ظالم" يكتب البعض "غير عادل" unfair ويكتب البعض "غير منظم" disorganizedبدلا من "عشوائي" أو "فوضوي"، أو يكتب "عدم الاستقرار" instabilityبدلا من "الاضطراب"، أو يكتب "عدم القدرة" inabilityمع أن هناك كلمات كافية شافية مثل "العجز" و"التعذر". وعليه، إذا وجد المحرر أو المترجم نفسه مجبرا على استخدام كلمة قريبة من "عدم" فبإمكانه استخدام "تجنب" و"تحاشي" (كتجنب الاتصال وتحاشي التفاوض) و"انعدام" (انعدام الاستقرار أفضل من عدم الاستقرار)، أو حتى "قلة" (قلة الفهم بدلا من عدم الفهم).
6- من الأخطاء التي ليس لها مبرر أيضا سوء استخدام حرف "الواو" دون مبرر خصوصا بعد الذي أو التي، كأن يقال: توفي صالح سليم نجم كرة القدم المصري والذي كان يلقب بالمايسترو. هنا لا حاجة مطلقا للواو فلا هي للعطف ولا للسببية ولا للقسم ولا لأي سبب مفهوم.
7- هناك فارق مهم بالنسبة لاستخدامات الفعل المتعدي والفعل اللازم. فالفعل المتعدي (مثل: أكل وشرب وقتل وناقش وأسس) يأخذ مفعولا به، بينما لا يحتاج الفعل اللازم (مثل: ركض وسار وقفز ومات) إلى مفعول به. وهكذا لا يجوز مثلا كتابة "مناقشة الحكومة لقضية اللاجئين"، بل "مناقشة الحكومة قضية اللاجئين"، لأن ناقش فعل متعد.
8- استخدام "ال" التعريف في سياق عبارة "يعتقد- يرى- يؤمن الكثيرون" استخدام خاطئ أو على الأقل قليل الفصاحة. فالقصد هنا الإشارة إلى أناس مجهولين، أو أنهم كثر إلى درجة أن معظمهم مجهولون، وبالتالي يستحسن في هذه الحالة استخدام "كثيرون". في المقابل يجب استخدام "ال" التعريف في جمل مثل "جاءت الفتاة البالغة الجمال"، و"ستبيع مصر 100 ألف طن من القطن الطويل التيلة"، وتحاشي "جاءت الفتاة بالغة الجمال" و"ستبيع مصر 100 ألف طن من القطن طويل التيلة".
9- ينبغي تجنب استعمال كلمة "أكد-يؤكد" في معنى "قال" أو "ذكر"، والاقتصار في استعمالها ضمن إطار تأكيد صحة كلام متنازع حوله أو تأكيد نفيه، مثل " أكد الرئيس بوتفليقة أنه لن يترشح للانتخابات" أو "أكد بوش انه سيزور بغداد الاثنين وليس الثلاثاء". وهنا يجب استخدام الأفعال حسب ما يجب أن تفيد. فـ"قال" يمكن أن تبدأ القول و"أضاف" تضيف معلومة أخرى. أما "أوضح" فإنها توضح الفقرة التي سبقتها. وأكد تؤكد شيئا قيل سابقا. ولا يجوز استخدام "صرح" إذا كنا نتحدث عن مصدر. فالمصدر لا يقتضي العلنية، في حين أن التصريح يعني أن المصدر يستطيع أن يقول أو يذكر أو يفيد لكنه لا يصرح.
10- بالنسبة لكتابة الأحرف الأعجميةP/G/Vيستخدم حرف "الغين" لترجمة G في الأجنبية مثل "ديغول" و"ريغان"، ذلك أن العرب قلبوا هذا الحرف دائما إلى "غين"، كما هي الحال مثلا مع كلمات "جغرافيا" Geographyو"إغريق" Greeks ، و"غاز" Gas.
11- بالنسبة لاستعمال الهمزة، قواعد اللغة العربية واضحة في هذا المجال ولا حاجة فيها للاجتهاد. فكلمة "مسؤول" تكتب فيها الهمزة على واو (لا مسئول)، وفي "رؤوف" تكتب أيضا على واو متبوعة بواو (لا رءوف). فالفعل الثلاثي في المثل الأول "سأل" (لا سئل)، وبما أن الضمة هي ثاني أقوى الحركات بعد الكسرة الغائبة من صيغة "مفعول"، وجب كتابة الهمزة على واو متبوعة بواو. أما المثل الثاني فواضح لا لبس فيه، فالضمة أقوى من السكون.
12- هناك لغط دائم حول "العام" و"السنة". والواقع أن العام هو العام التأريخي المحدد إما بتقويم (ميلادي أو هجري) أو بحدث استثنائي (عام الفيل)، أما "السنة" فهي أي فترة 12 شهرا، وبناء عليه فكل عام سنة أي 12 شهرا لكن ليست كل سنة (سنة مالية/ ضريبية مثلا عام. وبالتالي يستحسن كتابة "أطل علينا عام 2000" و"عمر فلان 25 سنة".
13- بالنسبة لجمع الكلمات التي هي على وزن "مفعول"، مثل "موضوع" و"مشروع"، هناك مدرستان، الأولى تنحو نحو جمع التكسير (مواضيع ومشاريع) والثانية نحو جمع المؤنث السالم (موضوعات ومشروعات). وثمة اجتهادات عديدة لصالح كل طرف لكن يفضل استخدام جمع المؤنث السالم (مثل أحاديث وموضوعات).
14- في اللغة العربية لا يجوز أن يبدأ الاسم بساكن، ولكن الاستثناء الوحيد مقبول في الأسماء الأعجمية مثل: "بروكلين" و"سكوتلاندا" و"ستوكهولم" و"شلمبرجيه" و"كريستيز". كما يستحسن كتابة المضاف والمضاف إليه على سطر واحد، وخاصة في ما يتصل بأسماء العلم، مثل: "عبد الحميد" و"خان يونس" و"نيو مكسيكو".
15- بالنسبة للأيام والأشهر والأعوام يفضل استخدام المقبل وليس القادم فالقادم من القدم مما يعني السير ..كما يفضل عدم استخدام هذا اليوم أو هذا الشهر أو هذا العام بل تستخدم اليوم فقط أو الشهر الحالي أو العام الحالي لأن "هذا" تعني الإشارة إلى شيء معين سبق ذكره.
16- من الأخطاء أيضا استخدام كلمة ليلة إشارة إلى مساء اليوم نفسه فيقال ليلة الخميس باعتبار أن المقصود هو الخميس ليلا لكن ليلة الخميس هي في الواقع الليلة التي تسبق يوم الخميس أي الأربعاء ليلا.
17- هناك خطأ فاحش بدأ يتفشى حديثا وذلك باستخدام الفاصلة محل الواو فيقال مثلا: زار الرئيس التونسي الهند، باكستان، المجر، هولندا والنرويج. وهذا استخدام وارد في اللغة الإنجليزية فقط أما في العربية فالفاصل لا يحل محل الواو والصحيح هو زار الرئيس التونسي الهند، وباكستان، والمجر، وهولندا، والنرويج.
18- تتفشى هذه الأيام ظاهرة استخدام "أعلن عن" في غير موقعها الصحيح لأن الفعل يتعدى بنفسه، إذ يقال أعلن الرئيس اليمني على عبد الله صالح عن تشكيل لجنة ..و"عن" هذه لا مبرر ولا داعي لها بل يكفي القول "أعلن تشكيل" لأن "عن" تستخدم فقط إذا كان المقصود الكشف عن شيء، فيقال في هذه الحالة: أعلن الرئيس اليمني على صالح عن خطة جديدة ستنفذ. كما يساء استخدام أكد فيقال "أكد" الوزير "على" التزام بلاده الحياد تجاه الأزمة بينما الصحيح هو أكد الوزير التزام بلاده لأن أكد يتعدى بنفسه وبحرف الجر.
19- الكلمات التي تكتب مع همزة وصل قليلة في العربية أشهرها: اسم، وابن، وابنة، واثنان، واثنتان، وامرؤ، وامرأة، والاثنين.
20- كثيرا ما تستعمل (لام الجر) بدل (إلى). صحيح أن حروف الجر تتبادل فيحل بعضها محل بعض، ولكن ليس كيف ما شاء الإنسان. فاللام تنم على الإسناد والتبعية والسكون، ولا توحي بالحركة. وبالتالي فالأفعال التي توحي بالحركة يجب استخدام (إلى) معها، فضلا عن أن بعض الأفعال تتعدى ضرورة بـ (إلى) لا بـ (اللام).
فمثل استخدام (إلى): سافر الرئيس إلى لندن ووصل الوزير إلى القاهرة لأن سافر ووصل ينمان عن الحركة.
ومثل استعمال (اللام) التي تدل على السكون: سلم أمرك لله، أو: هذا السؤال موجه لفلان.
21- يخطئ كثيرون فيكتبون (حوالي) دون نقطتي الياء فتصبح (حوالى) كما يجب كتابة النقطتين فوق التاء في مثل: الجامعة، والمدرسة، وعدم إهمالهما فتصبح التاء هاء.
22- (إلا) حرف استثناء تنصب المستثنى إذا كانت الجملة مثبتة، مثل: لا إله إلا الله، ومثل: جاء الوزراء كلهم إلا وزيرا واحدا... أما إذا كانت الجملة منفية فيبطل عملها لأنها تصبح أداة حصر لا حرف استثناء، مثل: ما جاء إلا عشرون وزيرا.
23- الاسم المنقوص أي المنتهي بياء مكسور ما قبلها، إذا جاء منونا تحذف ياؤه رفعا وجرا، مثل: هذا قاض (في حالة الرفع) ورأيته في ناد من الأندية (في حالة الجر). لكن الياء تبقى في حالة النصب، مثل: شاهدت ساعيا.
24- الألف المتحركة تعرف بالهمزة وإذا وقعت أولا كتبت بصورة الألف: أحمد وأسماء وإكرام، ووصلية كابن واستخرج، وأما الألف الساكنة ويقال لها الألف اللينة، فهي التي لا يبتدأ بها مثل قام. إذا كانت همزة وصل فتحذف بعد الفاء والواو متى كان بعدهما همزة، مثل: فأتني وأذن لي. وبعد اللام الداخلة على مصحوب ال مثل: فعلت هذا للخير. وإذا كانت الهمزة متوسطة ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها مثل: بأس وبؤس وبئس، وذلك إلا إذا كانت مقلوبة بعد همزة الوصل ثم ردت إلى أصلها فترسم بصورة الحرف الذي قلبت إليه لنتقالها منه فتكتب بالياء مثل: هذا الذي أؤتمنت عليه. وإذا وقعت الهمزة بين ألف وياء جاز أن تكتب همزة أو ياء مثل: بقاءي أو بقائي والراءي أو الرائي.
25- تتكرر كثيرا كتابة الهمزة المتطرفة بشكل مجانب للقاعدة. لذا وجب التذكير بها:
- تكتب الهمزة المتطرفة مفردة إن جاءت إثر ساكن صحيح أو معتل، مثل: جزء - دفء - ضوء - شيء - بطء - عبء. كما تكتب الهمزة المتطرفة على ياء إذا كان الحرف الذي قبلها مكسوراً وكانت منفردة لم يلـحقها ضمير، مثل: قارئ وينشئ. وتكتب الهمزة المتطرفة منفردة (على السطر) بعد الواو والياء على نحو: هدوء - بطيء. الهمزة المنصوبة التي تسبقها ألف لا تتبعها ألف مثل: هباء وهواء.
26- في كلام الصور تقع أخطاء في تحديد أسماء الموجودين في الصورة فيقال مثلا إلى يمين الصورة ويقصد به الشخص الواقف إلى اليمين بينما يمين الصورة هو الشخص الواقف إلى اليسار بالنسبة للمشاهد للصورة.