منذ حوالي ثلاثين سنة، شاهدت إعلانا تجاريا لافتا للنظر على إحدى الشاشات التلفزيونية في أوروبا.
يصور الإعلان واعظ إحدى الكنائس فوق دراجة هوائية في طريقه إلى كنيسته لإلقاء وعظة) الأحد، فيستوقفه أحد الرعايا القرويين الطليان ويدعوه لتناول وجبة (سباغيتي). فيعتذر الواعظ عن قبول الدعوة لأن المصلين بانتظاره في الكنيسة. ويهمس القروي في أذن الواعظ بأن الوجبة ستكون مصنوعة من المعكرونة الشهيرة (بانزاني)! حينذ، يترجل الواعظ عن دراجته ويقرر البقاء لتناول الوجبة متناسيا قداس يوم الأحد في كنيسته!! في اليوم التالي، اشتريت هذا الصنف التجاري من المعكرونة، وبعد التجربة، ما أزال منذ ذلك التاريخ اعتبرها خياري الأول.

أريد القول أن للإعلان التجاري سطوة غير عادية على الناس. ويدرك المتخصصون في الإعلان أبعاد هذه المسألة تماما، إذ غالبا ما يلجأون إلى إنفاق الكثير من الأموال على الإعلان التجاري في حالات الركود الاقتصادي، وهم بذلك يراهنون على عدم قدرة معظم الناس في البقاء بعيدا عن دائرة تأثير الإعلان التجاري.
في أيامنا هذه، ومع تزايد نشاط الصناعة الإعلانية التي هي سمة أساسية لقيم السوق الرأسمالية، والتنافس المحموم الهادف إلى ترويج السلع، ازداد رسوخ هذه الصناعة، واستقطبت المليارات من الدولارات والملايين من العاملين في هذا الميدان، وصار الإعلان التجاري ملك الملوك في بلاط القرن الحادي والعشرين.
الإعلان يحطم كل السدود
سيول عارمة من الإعلانات التجارية تعترض حياتنا، في الطرق، في الصحف، على الشاشات، داخل الدوائر الرسمية والمدارس والجامعات والمساجد والملاعب، وتجتاح هذه السيول عقولنا ومشاعرنا وأبصارنا وتهدم في طوفانها كل السدود الاجتماعية والمعرفية والوجدانية، وتؤسس لعصر جديد لامكان فيه لغير استبداد النمط الإعلاني التجاري، في السياسة والتربية وفي ميادين العلم.
الإعلان التجاري لا يعرف منطق الصدق، فهو حين يبالغ في الدفاع عن سلعة وشمائلها، يرتكب عن وعي مسبق منطق الكذب والخداع، والسلعة التي يدافع عنها الإعلان، معنوية كانت هذه السلعة أو مادية، هي الأمثل والأفضل والأروع والأكمل، وما عداها هراء! هناك أمثله استثنائية ولا شك، ومنها الذي ذكرته في مطلع مقالي، لكن القاعدة في الإعلان تستند إلى التزييف ومصادرة وعي المتلقي.
وأشهر دليل على امتهان الوعي والعلم والمعرفة، مئات الإعلانات التجارية على مدى نصف قرن، تروج لمئات المستحضرات الصيدلانية، وجميعها قادرة وفقا للإعلانات التجارية على وقف هجمة الصلع وإعادة الشعر إلى سابق عهده عند الرجال، والحقيقة العلمية أن هناك ثلاثة أو أربعة مستحضرات فقط أثبتت فعالية نسبية، ولدى أفراد معينين وليس لدى الجميع، وأكدت فعاليتها العلاجية في هذا الموضوع، خلال الخمسين سنة المنصرمة! وطالما أن لا حسيب ولا رقيب على مضمون الإعلان التجاري، فسيأتي اليوم الذي يزعم فيه أحدهم أنه اكتشف إكسير الحياة، وقطرة منه تقيك من كل الأمراض، وقطرة ثانية تهبك الخلود!!
المعلن أو المعلم
سبق لي أن أشرت في هذا المكان إلى تحقيق علمي رصين نشرته مجلة (الناشيونال جيوغرافيك) في عدد كانون الثاني/يناير 2005 عن مخاطر الكافئين والإفراط في استخدام تركيزات عالية منه في بعض المشروبات المنشطة، وهي مشروبات شائعة جدا لدى شرائح الشباب في أيامنا هذه، وتنفق الشركات الصانعة لهذه الأصناف مئات الملايين للترويج لها، وقد ثبت بالدليل القاطع أن هذه المشروبات قادت إلى نتائج وخيمة لدى البعض! العلم والمعلم يحذران من فرط تناول هذه النوعية والمشروبات، والمعلن يعطيك حوافز وجوائز إذا اشتريت كميات منها، والذي يحصل في الأسواق أن المستهلك اعتاد أن يصدق المعلن ويصم أذنيه عن سماع صوت المعلم.
بين التلفزيون الحكومي والخاص
قرأت أن قناة (روتانا) دفعت للفنان عادل إمام مائة ألف دولار لقاء مقابلة أجرتها معه الإعلامية هالة سرحان، وأن العائد الإعلاني التجاري للقناة كان حوالي خمسة ملايين دولار!! الفنان عادل إمام ربح الكثير، والإعلامية تتقاضى الكثير، والقناة تكسب الكثير، والشركات التجارية الراعية تتصاعد أرباحها، فمن الخاسر في هذه الدوائر المتداخلة؟؟ لا بد من خاسر وإلا ففي المسألة إن!
يخيل لي أن المتلقي هو الخاسر المحتمل، وذلك إذا انطلت عليه أحابيل الإعلانات التجارية التي ستقطع عليه متابعة اللقاء المشار إليه كل ثلاث دقائق.
هذه حبة صغيرة تمنع تسوس الأسنان مدى العمر، وهذا الرذاذ الكيميائي يعيد ملابسك جديدة كما اشتريتها من البائع أول مرة، وهذا المبيد الحشري ينهي السلالة الصرصارية من أصلها، وهذه البطارية تدوم ستة أضعاف منافساتها من النمط نفسه، وهذا الكتاب الشهير باع ثلاثة ملايين نسخة، وهكذا دواليك...
ولا بد من وجود شريحة من الناس تصدق كل مايقال، وهي الشريحة التي ستسارع إلى اقتناء الكتاب الشهير ودفع ثمنه ثم وضعه على الرف، حيث ستجد الصراصير الناجية من فتك المبيد في هذا الكتاب مرتعا لها!!
من هذه الناحية تبدو التلفزيونات الحكومية أقل ضررا. ولأسباب خارجة عن نطاق بحثنا، يبدوأن الشركات التجارية تدرك أن نسبة المشاهدة للقنوات الحكومية أقل من نسبة المشاهدة للقنوات الخاصة، لذا، فهي تفضل الثانية كمكان للإعلان عن السلع. ومن هنا فالتلفزيونات الحكومية من هذه الناحية أخف وطأة على عقل المشاهد.
الإعلان التجاري وامتهان العقل
الفيصل بين العلم والخرافة هو العقل. إن المتابع لمضامين الكثير من الإعلانات التجارية يعرف أن الشطط والخرافة سمتان واضحتان لها، وبكلمة أخرى، فهي تحط من قيمة العقل وتسخر منه.
هذا حذاء رياضي يكفي أن يلبسه الشاري ليصبح من أسرع العدائين، وذلك النوع من إطارات السيارات يمنع وقوع الحوادث، وتلك العبوة من الزيت الخالي من الكولسترول يهبك طول العمر، وإن أقدمت على تسجيل أولادك في هذا المعهد أو الجامعة ستكون قد ضمنت لهم التفوق وربما جائزة نوبل. وليس أكثر استهانة بالعلم والعقل من ذلك الإعلان التجاري لحليب الأطفال الذي يجزم بأن لا حليب آخر يضاهيه سوى حليب الأم!! أو الإعلان الذي يدافع عن أجود سيجارة خفيفة!!
مثل هذا الإمعان في الاستخفاف بعقول الناس يفضي بالضرورة إلى تمكين الخرافة وتأصيلها في عمليات محاكمتهم العقلية، ويغيب كل اجراء لتحصين تفكير المستهلك من الاعتداء اليومي الصارخ عليه.
في أمريكا، وعلى مدى نصف قرن، يقف رالف نادر ليدافع عن المستهلك من أي تجاوز أو كذب يدعيه الإعلان التجاري ويزعمه لنفسه. أما نحن، ومع هذه الفوضى الفضائية التلفزيونية والنمو السرطاني لعدد المحططات، فلا حول لنا ولا قوة، وستتفاقم أضرار الإعلانات التجارية على الثقافة والتربية الجادة بمرور الوقت، إلا إذا أنشأنا هيئات على غرار ما يفعل السيد رالف نادر في أمريكا.