من دبرا بوتر
المديرة لتنفيذية نيوزلاب:
تقول المراسلة الصحفية كريستين غيلغار "إن المهارة في إجراء المقابلات الصحفية والإذاعية هي أساس كل التقارير والموضوعات الصحفية الجيدة." وتُعرّف المقابلة الصحفية بأنها معلومة ورأي أو خبرة تُستخلص من مصدر خلال حوار مع المراسل الصحفي. وما يميز المقابلة الصحفية والإذاعية ويجعلها مختلفة بعض الشيء عن أي حوار عادي هو أن المراسل الصحفي هو الذي يحدد وجهة التساؤلات التي تثار أثناء الحوار.

وإعداد المقابلة الصحفية لا يكون عملية سهلة دائما. فالناس قد تكون عازفة عن الحديث مع الصحفيين، خاصة إذا كان الموضوع محل جدل. وحين التعامل مع المسؤولين يجب أن يبدأ الصحفي بفرضية أن من حق الجمهور معرفة ما يفعله المسؤولون. وأصحاب الخبرة من المراسلين الصحفيين وجدوا أنه كان بإمكانهم إقناع أكثر المسؤولين معارضة للمقابلات الصحفية بإجراء مقابلات معهم حينما يكون لديهم تصور لما يتوقعونه منهم من أعذار أو عقبات، مثل تلك التي نوردها في النقاط التالية:
- أن وقتهم لا يسمح: بإمكان المراسل الصحفي أن يعرض عليهم الالتقاء بهم في أنسب وقت وأفضل مكان بالنسبة للشخص الذي يريد التحدث معه. وكذلك قد يكون من المفيد أيضا اختصار الوقت المطلوب للمقابلة إلى أقصى حد ممكن.
- يخشون من أن الموضوع قد يجعلهم يبدون بشكل غير مستحب. ولذا يجب أن يتعاطى المراسل باحترام مع الناس وإخبارهم على وجه الدقة بسبب رغبة المراسل الصحفي في الحديث معهم يساهم في طمأنة المصدر أو الشخص الذي يود إجراء المقابلة معه.
- لا يعرفون ما يمكنهم قوله: يجب أن يكون المراسل الصحفي واضحاً وصريحاً بشأن السبب الذي يدفعه للحصول على وجهة نظر شخص معين.
- من الصعب الوصول إليهم: إن المراسلين الصحفيين يكون لزاما عليهم في أغلب الأحيان المرور عبر السكرتير أو موظف العلاقات العامة للاتصال بالشخص الذي يريد إجراء مقابلة معه. فإذا ساورهم الشك في أن طلبهم لم يصل إلى الشخص المرغوب فإن بعض الصحفيين يبعثون برسالة مباشرة إلى الشخص أو يتصلون به أثناء فترة الغداء أو بعد ساعات العمل الرسمية في محاولة للوصول إليه.
وبعد ضمان الاتفاق على إجراء المقابلة ودراسة الشخصية التي ستجرى معها والموضوع الذي ستدور حوله، يكون على الصحفي أن يجري مزيدا من الاستعدادات. ومعظم الصحفيين يحضّرون قائمة بالأسئلة التي يريدون توجيهها، أو برؤوس الأقلام التي تدور حولها المقابلة، ويأخذون تلك القائمة معهم، لكن لا يقرأون منها أثناء المقابلة. وإنما يراجعون القائمة قرب انتهاء المقابلة للتأكد من أنهم لم يغفلوا موضوعا أو نقاطا مهمة. وينبغي أن تتضمن القائمة أيضا المعلومات أو الوثائق أو الصور التي يودون الحصول عليها من المصدر.
إن الأسئلة هي العمود الفقري لأي مقابلة. وهي الدفة التي تجعل السفينة تبحر في الاتجاه الصحيح. والأسئلة الجيدة قد تكافئ المراسل الصحفي بإجابات غير متوقعة، ومعلومات قيمة، ومفاجآت. أما الأسئلة الضعيفة فقد تجعل الصحفي يتساءل عما دعاه للحديث مع هذا الشخص. أما الأسئلة المحددة إلى درجة كبيرة فقد تجره إلى وجهة وعرة وخاطئة.
والسؤال الأول في أي مقابلة مهم لأنه يحدد طابع ما سيتبعه من أسئلة. والعديد من الصحفيين يحبون أن يبدأوا بسؤال "لإذابة الجليد" بينهم وبين الشخصية التي يجرون معها المقابلة لكي تصبح أكثر اطمئنانا واسترخاء. ويكون ذلك السؤال عادة عن شيء يرتاحون للإجابة عليه. وقد يكون هذا الشيء، في واقع الأمر، ليست له أي علاقة بسبب المقابلة. لكنه غالبا يساهم في بدء شعور الشخصية أو المصدر بمصداقية الصحفي، كما يمكن أن يؤدي إلى بدء سريان إحساس بالثقة والانفتاح.
وفي معظم الأحيان، تكون أفضل الأسئلة هي الأسئلة ذات النهايات المفتوحة التي لا يمكن الإجابة عليها بمجرد قول نعم أو لا. كما يجب ألا تكون الأسئلة متضمنة لأحكام معينة، وألا تكون قائمة على أساس وجهة نظر الصحفي. إنه الفارق بين صيغة السؤالين التاليين "ما هو رأيك في هذا؟" و"ما الذي كنت تتصوره!" وإذا كان من المهم أن يسأل الصحفي أسئلة جيدة، فمن المهم أيضاً أن يكون هادئا وأن يتيح مجال الحديث للشخصية التي يقابلها. إن أفضل من يجرون المقابلات الصحفية هم الذين يجيدون الاستماع، وغالبا ما يحصلون على أهم المعلومات بالتزام الصمت. وما يستمعون إليه قد يؤدي بهم إلى إثارة تساؤلات أخرى لم تخطر على بالهم.
ويحكي لنا روبرت سيغال الذي يعمل بهيئة الإذاعات العامة في العاصمة واشنطن، حكاية مقابلة أجراها مع دبلوماسي تركي في أعقاب إطلاق مواطن تركي النار على البابا يوحنا بولس الثاني وإصابته في روما. كان سؤاله الأول يقول "هل تعرف أي تفاصيل عن الرجل محمد على أغشا؛ أين كان يقيم في إيطاليا، وما الذي كان يفعله هناك، وما هو نوع التأشيرة التي حصل عليها من إيطاليا؟" وكانت الإجابة على كل تلك الأسئلة كلمة واحدة هي: لا. وبعد عدة محاولات صمت سيغال وكاد يفقد الأمل. لولا أن الدبلوماسي التركي اخترق الصمت بقوله "... باستثناء أنه أشهر قاتل أدين في تركيا، وأنه هرب من السجن بعد اغتيال رئيس التحرير في إحدى صحفنا الكبرى." ويقول سيغال إنه كاد يخسر موضوعا مهما بتوجيه أسئلة دقيقة جدا. وأدرك أنه كان من الأفضل أن يبدأ المقابلة بسؤال يقول: "حدثني عن هذا الرجل."
ويستطيع الصحفيون إجراء مقابلاتهم إما وجها لوجه، أو عبر الهاتف، أو على الإنترنت بالبريد الالكتروني أو بالرسائل الفورية. وكل أسلوب من تلك الأساليب له مميزاته وعيوبه. فالمقابلات التي تجرى وجها لوجه تعطي المراسل الصحفي إحساسا كاملا بالشخص الذي يقابله، من خلال ما يراه من صور أو لوحات معلقة على الجدران، أو تنظيمه أو إهماله لمكتبه، ونوعية الكتب الموجودة في المكتبة. كما أن اللقاء وجها لوجه يمنح المراسل الصحفي قدرة الحكم على مصداقية الشخص بناء على تصرفاته. هل يبدو عصبيا أم هادئا؟ وهل هو على استعداد للنظر مباشرة في عيني المراسل الصحفي؟
أما كرستوفر (شيب) سكانلان، وهو مدير ورشة عمل في الكتابة الصحفية بمعهد بوينتار أحد معاهد تدريس الصحافة بالولايات المتحدة. فيحكي حكاية إجراء مقابلة مع سيدة فقدت زوجها بعد إصابته بالسرطان. اصطحبته السيدة في جولة داخل منزلها، وفي غرفة النوم قالت له "إنني في كل ليلة أضع قليلا من العطر الذي كان يستخدمه زوجي فوق الوسادة، لكي أتصور أنه ما زال معي." هذه التفاصيل يستطيع القارئ أن يستشعرها وربما يستنشق عبيرها، وهو ما لم يكن من الممكن أن يعرف سكانلان عنه أي شيء لو كان أجرى المقابلة عبر الهاتف أو الإنترنت.
أما بالنسبة للمقابلات التي تجرى عبر الهاتف فإنها تستغرق وقتا أقل، وبعض المراسلين الصحفيين يجدون أنها أسهل للحصول على نقاط معينة حينما لا يكون مهما بالنسبة لهم أن تلتقي أعينهم بعيون الشخصيات التي يقابلونها. كما يكون بمقدورهم طبع ملاحظاتهم على الكمبيوتر أثناء المقابلة. أما إجراء المقابلات عبر البريد الالكتروني فإنها تكون مفيدة في التواصل مع المقيمين في أماكن بعيدة، لكن المراسل الصحفي لا يستطيع الإنصات إلى ما يقال ومتابعته "وقت حدوثه." وبالنسبة لإجراء المقابلات عبر الرسائل الالكترونية الفورية فإنها تشبه المقابلات الهاتفية . لكن كلا من الأسلوبيْن المستخدميْن في إجراء المقابلات عبر الإنترنت يثيران تساؤلات حول ما إذا كان الشخص الذي تجرى معه المقابلة هو بالفعل الشخص المطلوب أم لا.
ونظرا لتلك الهواجس، فإن صحيفة فيرجينيان بايلوت التي تصدر في مدينة نورفوك بولاية فيرجينيا، وضعت قاعدة لغرفة الأخبار التابعة لها تتعلق بإجراء المقابلات عبر الإنترنت، وتنص تلك القاعدة على ما يلي: "في حالة نقل تصريحات عن طريق إجراء اتصالات الكترونية عبر الإنترنت، يجب أن نتأكد من أن الاتصال حقيقي، إذ إنه من السهل تزييف عنوان الكتروني أو إجراء الاتصال بانتحال شخصية شخص آخر. إن الإنترنت لا يمكن السيطرة عليها كما هو الحال بالنسبة لوكالات الأنباء (مثل رويترز أو الأسيوشيتدبرس)؛ فالخدع ممكن أن تأتي من أي مكان."
والمراسلون الصحفيون الذين يستخدمون البريد الالكتروني أو أي شكل آخر من أشكال الاتصالات عبر الإنترنت، عليهم أن يتبعوا المواصفات القياسية لممارسة المهنة مثلما يفعلون عند استخدام أي شكل آخر من أشكال الاتصالات. فعليهم أن يعرّفوا أنفسهم كصحفيين، وأن يصرحوا بالمعلومات التي يريدون الحصول عليها والسبب في ذلك. كما يجب عليهم تطبيق أسلوب التحري عن الحقائق واستخدام مهارات التفكير التي يطبقونها على أي مصدر آخر من مصادر المعلومات.
وبغض النظر عن الطريقة التي يجرون بها مقابلاتهم، فإن المراسلين الصحفيين عادة تكون لديهم بعض الأسئلة التي يدخرونها حتى نهاية المقابلة. فهم أولا، قد يلخصون الحوار للضيف للتأكد من أنهم فهموا بدقة ما قيل لهم. ثم يسألون إن كان الضيف يود إضافة أي شئ آخر. وكذلك يسألون عن أنسب وسيلة لمعاودة الاتصال بالضيف، خاصة بعد أوقات العمل الرسمية، ويوجهون الشكر للشخص الذي أجروا معه المقابلة على ما منحهم من وقته. وكثير من الصحفيين يكون لديهم سؤال أخير يوجهونه في نهاية كل المقابلات وهو "مع من يجب علي أن أتحدث أيضا عن هذا الموضوع؟"